ARTICLES مقالات

فن السينما والتلفزيون ليس حكراً على أحد

الأفلام من الفنون التي تساعد على تطوير مستوى الوعي العام لإيجاد حلول للمشاكل المجتمعية عن طريق تسليط الضوء عليها ومخاطبة عقول وقلوب المشاهدين. والجميل بالأمر أن هذا الفن ليس نخبوياً ولا يقتصر على طبقة اجتماعية أو مستوى تعليمي أو مكان جغرافي أو عمر معين.

ومنذ عقد تقريبا، استحدثت الهيئة الملكية الأردنية للأفلام العديد من البرامج التعليمية وورش العمل المتعلقة بصناعة الأفلام في عمان والمحافظات لتوفير وسيلة تعبير للمشاركين عن أنفسهم ومجتمعهم ومشاكلهم وتحدياتهم وأحلامهم بطريقة تشجع على تقبل الآخر والاختلاف والتغيير.

صممت الهيئة برامج تعليمية بمساعدة خبراء لهم باع طويل في هذا المجال تم استقطابهم من الأردن والمنطقة العربية والعالم. جاء نتيجتها سلسلة ورشات عمل تعمل على سد فجوة نقص مثل هذه الدورات في المدارس والجامعات. كما أنشأت الهيئة مراكز للأفلام في بعض المحافظات لتسهيل إمكانية وصول هذا الفن للمهتمين.

يزن خالد الشرمان شاب من مدينة المفرق في السابعة عشر من العمر، قرر أن يترك المدرسة قبل سنة، مما أثار استياء والديه. فتوجه والد يزن إلى مرشدي مركز أفلام المفرق لعل يساعدوه في مشكلته مع ابنه. فاقترحوا عليه تسجيله في ورشة اللعب التفاعلي – وهي إحدى ورشات المركز المخصصة للشباب والأطفال في مجال القصص والأفلام والسينما – لتبدأ مرحلة جديد بحياة يزن الشاب والذي أبدع وتفوق في تلك الورشة مما فتح أمامه الطريق للالتحاق بدورات وورشات أخرى. كما شارك كمخرج ومصور وكاتب في عدة أفلام قصيرة ذات ميزانية منخفضة تم تصويرها في مدينة المفرق. وقد أشاد خالد الشرمان بالأثر الإيجابي الذي تركته ورشات عمل مركز أفلام المفرق على أبنه، الذي ما لبث أن طلب من والده العودة للدراسة. وهو الآن منتظم بدراسته. ويقول الشرمان ” أنا على قناعة بأن وجوده المكثف بمركز الأفلام كان له الأثر الكبير والإيجابي ببث روح الأمل فيه من جديد وعودته لمقاعد الدراسة.”

كانت ناهدة إبراهيم الشعيني، في الأربعين من عمرها، متزوجة ولديها ابنتان من أوائل المشاركات في الورش التي عقدت في مركز أفلام العقبة بداية من عام 2018. تذكر الشعيني أن لديها شغفا قديما في مجال السينما والتلفزيون، وطالما تابعت أنشطة الهيئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن تواجدها في منطقة العقبة والجنوب خاصة كان يعيق مشاركتها في أي منها. ومع افتتاح مركز أفلام العقبة عام 2016 التحقت الشعيني بورشة إدارة مواقع التصوير والمكياج السينمائي وصناعة الأفلام الرقمية. وعلى الرغم من مسؤولياتها العائلية نجحت في تنظيم وقتها وقضاء ساعات طويلة في الورش واستغلال الفرص المتاحة لمساعدتها في الإلمام بهذا المجال وتأهيلها لمرحلة المشاركة العملية في مواقع التصوير. الشعيني الآن بصدد البدء في فكرة مشروع فيلم قصير لتترجم كل ما تعلمته على أرض الواقع.

من مركز أفلام البتراء تحدثنا ساجدة المشاعلة عن تجربتها فتقول: “في بداية سنة 2018، كنت قد تخرجت من الجامعة بتخصص الأدب الفرنسي ولأنني لا أبحث عن عمل تقليدي أردت أن أطلق العنان لنفسي. وأثناء بحثي اخبرتني قريبتي بأن الهيئة الملكية الأردنية للأفلام أعلنت عن بدء التسجيل في ورشة كتابة السيناريو في لواء البتراء، ولم أكن قد سمعت بالهيئة الملكية من قبل لكنني لم أتردد في المشاركة. فالأفلام والسينما كانت دائما شغفي، ولم أدع مكان إقامتي في مدينة معان القصبة والذي يبعد مسافة كبيرة عن مكان تقديم الورشات عائقاً لتسجيلي بها. وبالرغم من معرفتي المسبقة بأن الكاتب والمخرج الأردني رفقي عساف، والذي أكنّ له كل الاحترام على أعماله المميزة، سيكون مدربا لنا الا انني تفاجأت بالمستوى العالي وبالتنظيم المميز من قبل المشرفين وتوجيهاتهم التي ساعدتنا على الخروج من هذه الورشة بأكبر فائدة ممكنة. بعدها شاركت في جميع الورش التدريبية التي أقيمت في البتراء – ورشة المكياج السينمائي وورشة إدارة مواقع التصوير وأخيرا التمثيل السينمائي تحت إشراف الممثلة الرائعة جوليت عواد والممثل المبدع جميل عواد. ولقرب المشرفين منا ومتابعتهم لنا، اكتشفوا مدى اهتمامي والتزامي بالحضور والمشاركة، فمنحوني فرصة للعمل كمساعد لمدرب في ورشة فن رواية القصة مع الكاتبة والمخرجة الفلسطينية ليلى عباس.”

المهندس صالح الخطايبة مقيم في مدينة الزرقاء، التي تبعد 40 كيلومترا عن عمان. قبل سنتين ونصف خطرت بباله فكرة فيلم فبدأ بكتابة عدة صفحات على شكل رواية وعندما سمع عن ورشة لكتابة السيناريو في مركز أفلام الزرقاء تواصل مع منال أعمر مديرة المركز والتي أشركته بالدورة. بعد مضي أسبوع، أدرك صالح بأن كتابة السيناريو هي فن قائم بحذ ذاته ولا علاقة له بكتابة الرواية. استمر صالح في المشاركة بورش الهيئة حيث شارك بما يقارب 150 ساعة تدريبية دون أي تغيّب، وبعدها عمل مع مدربه رفقي عساف على كتابة مسلسل قصير عزّزّ من امكانياته وثقته بنفسه وبدأ بالمشاركة كمساعد لإعطاء ورش عمل في وادي رم والمفرق، ولم يتوقف عن الاستفادة من الدورات التي تقدمها الهيئة مجاناً مثل ورشة المكياج السينمائي مع المدربة وفاء الزعبي وورشة التمثيل مع المدربين جميل وجوليت عواد وصولا لورشة صناعة الأفلام الرقمية مع المخرج المصري أبو بكر شوقي الحائز على جائزة الحكام في مهرجان كان عن فيلم “يوم الدين”. حيث قام بصناعة فيلم روائي قصير بعنوان “دقيقة” من كتابته وإخراجه، ومن بعدها قام بإخراج فيلم وثائقي قصير بعد مشاركته في ورشة صناعة الأفلام الوثائقية مع المخرجة الأردنية وداد شفاقوج.

لابدّ هنا من الإشادة بالجهود الجبارة لمشرفي المراكز والورش في الهيئة والتي ينظمون سنويا ما يقارب ثماني ورش في كل مركز تستهدف أطفال وشباب المنطقة والمهتمين، جميعها مجانية، لتقربهم من هذا الفن وتمنحهم الفرصة للتعبير عن ذاتهم وبناء مستقبل لهم في هذا المجال.

خلال الأربعة عشر سنة الماضية، نظمت الهيئة الملكية الأردنية للأفلام 250 ورشة عمل ل 1600 مشارك في عمان والمحافظات. أسست الهيئة ستة مراكز في محافظات في الأردن وهي السلط والزرقاء والمفرق والبتراء ووادي رم والعقبة. خلال عام 2017 فقط، تم تنظيم 47 ورشة عمل بحضور 707 مشارك بالإضافة إلى إقامة 262 عرض أفلام لأهالي والأطفال في قرى متعددة في المحافظات.

زر الذهاب إلى الأعلى