ARTICLES مقالات

دعوة من وإلى…

محمد عبدالهادي*

كانت “تونس الخضراء” في مقدمة الدول على لائحتي الخاصة لـ “دول يجب زيارتها”. وذلك لِما سمعته من أصدقاء كانوا قد زاروها وتغنّوا بجمال طبيعتها وثقافتها وخصوصّية شعبها. وأيضا لِما قرأته وشاهدته على شاشات التلفاز وتونس تتصدّر عناوين الأخبار إمّا أثناء ثورة الياسمين (ما أحلى هذه التسمية!) أو لدى التغييرات الجريئة في الدستور والقوانين ودعمها الدائم للمرأة وحقوقها.

كانت دائماً ذات خصوصية كدولة عربية/إفريقية لن يغيب عنها الطابع الأوروبي بعد أن كانت “تحت الحماية” الفرنسية لخمسة وسبعين عاماً (1881 -1956). تستطيع ان تلمح التأثّر ان كان بطلاقة تحدّث شعبها اللغة الفرنسية والتحرّر الفكري وفي تذوقهم وتقديرهم للفنون بشكل عام.

لاحظت اختلاف السينما التونسية عن غيرها، وذلك عند مشاهدتي الأولى لفيلم تونسي وهو “صمت القصور” (1994) للمخرجة مفيدة التلاتلي، والذي احتل مكانة في قائمة أهم مائة فيلم عربي حسب استفتاء لنقاد سينمائيين ومثقفين قام به مهرجان دبي السينمائي الدولي في2013، ومن بعد استمتعت بفيلم “الهائمون” و”بابا عزيز” للمخرج التونسي ناصر خمير، و”الساتان الأحمر” لرجاء عماري وغيرها. وتوالت متابعتي لحضور أفلام تونسية في عروض أفلام أقامتها “الهيئة الملكية الأردنية للأفلام” إن كان في “أيام الفيلم التونسي” أو في “مهرجان الفيلم العربي”، قبل وأثناء عملي في المؤسسة، أذكر منها: “شلاط تونس” و “على كف عفريت” للمخرجة كوثر بن هنية و”جسد غريب” لرجاء عماري و”نحبك هادي” لمحمد بن عطية.

أثناء عملي في الهيئة الملكية للأفلام وتحديداً في شهر تشرين الثاني من العام الفائت، سعدت بالدعوة لحضور مهرجان قرطاج ليس فقط كما ذكرت سابقاً لرغبتي بزيارة تونس ولكن أيضا لتزامنها مع فعاليات مهرجان سينمائي عريق ولاهتمامي بالسينما بشكل عام ولإعجابي بالسينما التونسية على نحوٍ خاص مما سيتيح لي فرصة عيش تجربة فريدة من نوعها ومشاطرة اهتماماتي مع التونسيين في بلدهم.

تأسس مهرجان قرطاج السينمائي في عام 1966 ببادرة من الطاهر شريعة وهو سينمائي تونسي، وكان ينتظم المهرجان كل سنتين إلى أن أصبح سنوياً في عام 2015 وبالتحديد في الخريف، وبذلك يعتبر من أقدم المهرجانات العربية، الذي يسلط الضوء على السينما العربية والإفريقية، مما يميزه عن غيره من المهرجانات في المنطقة.

لم تستثن السجون من فرصة عرض الأفلام المشاركة في المهرجان، إذ نظم القائمون عليه عدداً من العروض، لتساعد المساجين على الاندماج بمجتمعهم وعدم فصلهم عما يحدث خارج زنازينهم، وهذا ما ذكرني بالعروض التي تقيمها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام بالتعاون مع مديرية الأمن العام منذ سنتين في جميع مراكز التأهيل والاصلاح في المملكة.

في وسط المدينة وبالتحديد في شارع الحبيب بورقيبة، يتمركز المهرجان وفعالياته. فعدد دور السينما كبير في هذا الحيّ ولها طابع خاص ومميز نفتقده اليوم في معظم المدن العربية. فهي قديمة وعريقة، ذات طابع معماري يشبه المدينة، تشعر بانها جزء من المكان وليست مفروضة عليه. ترى الجمهور التونسي يقف في طوابير طويلة ينتظر شراء التذاكر (وخصوصا الأفلام التونسية) لساعات طوال وأحيانا يفقد أعصابه من أجل الحصول على بطاقة دخول وكأنها لقمة عيش! وبالتالي، جميع عروض الأفلام التونسية مكتظة للغاية. اذكر وقوفنا انا وزميلتي في طابور طويل بعد الظهر لدخول فيلم، فتسأل زميلتي صبيتين جامعيتان: الا يفترض بكما ان تكونان بالجامعة بهذا الوقت؟ الا يفترض بالجميع ان يكونوا بأعمالهم؟ لترد الصبيتان: “الاستاذ يعطينا اذن بعدم الحضور ان كنا سنشاهد فيلماً في المهرجان!” ما أحلى تثمين الثقافة وكم ذلك قليل في منطقتنا العربية!

الجمهور التونسي حاضر وبقوّة وداعم للمهرجان ولصناعة السينما التونسية ويعي دوره جيداً. والأجواء تفاعلية والنقاشات طويلة بعد العروض وهذا أجمل ما في الأمر، عدا عن البرمجة الدقيقة. بين كل عرض فيلم وعرض آخر نصف ساعة لخمس وأربعين دقيقة، وهي فرصة لتجلس في المقاهي على طول شارع الحبيب بورقيبة، لتتناول وجبة خفيفة أو لتحتسي كوباً من القهوة، وأنت تستمتع بموسيقى حيّة أو بفرقة راقصة من إفريقيا، لتقف من جديد، تنظر في جدول عروض اليوم وأوقاتها لتهرول بين الجموع الباحثة أيضا عن قاعات عروضها.

شاهدنا أنا وزميلتي ما يقارب 19 فيلماً خلال أربعة أيام، أفلام طويلة وقصيرة، درامية ووثائقية، عربية وأجنبية.
كنا نقفز من الفرح، مع القليل من الفخر، عندما انتبهنا إلى أنه سبق أن عرضنا في الهيئة في عمّان عددا من الأفلام المشاركة في المهرجان. وفي أحيان أخرى كنا نسجّل ملاحظاتنا ونلتقي المخرجين لنضمن عرض أفلامهم في الأردن.

بعد انتهاء يوم طويل متعب ولكن ممتع، يلتقي صنّاع الأفلام من مخرجين، كتّاب، ممثلين ونقّاد في بهو الفندق لساعات حتى ساعات الفجر، يتحدثون ويناقشون ويحلّلون الأفلام، يتفقون ويختلفون. ولكن ثمة إجماع لدى الجميع أن سر نجاح مهرجان قرطاج السينمائي لهذه المدة الطويلة يعود بلا اي شك إلى خصوصية الجمهور التونسي وإيلاء منظمي المهرجان الاهتمام به وبضيوفهم الأجانب.


محمد عبدالهادي : فنان ومسؤول التصميم الغرافيكي في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى